اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

101

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

« المدخل إلى الجغرافيا » . وباستثناء المقالة الأولى لبطلميوس التي تحتوى إلى جانب القواعد الأساسية للكارتوغرافيا نقدا لمارينوس الصوري ، وكذلك المقالة الثامنة التي تعالج الطول النسبي لليوم في مواقع مختلفة والتي تقدم جدولا للأربع وتسعين « أبرشية » ( eparchy ) ( أي ولاية ) الموجودة بالمعمورة ، أقول باستثناء تينك المقالتين فإن المقالات الباقية وهي من الثانية إلى السابعة ، قد تم توزيعها لدى الخوارزمي بطريقة مغايرة تمام المغايرة لطريقة بطلميوس ، فبطلميوس يعدد جبال وأنهار ومدن كل منطقة بينما يوزعها الخوارزمي على الأقاليم ويفحص كل ظاهرة على حدة . هذا ويبلغ عدد المناطق عند بطلميوس إحدى وعشرين منطقة ، بينما يبلغ عدد الأقاليم عند الخوارزمي سبعة ؛ وقلّ أن اتفقا على تحديد الأبعاد الجغرافية للأماكن المختلفة 24 . كل هذا إن دلّ على شئ فإنما يدل دلالة واضحة على أن « صورة الأرض » للخوارزمي أبعد من أن تكون ترجمة حرفية لبطلميوس ، بل هي مسودة مصلحة تصليحا جوهريا لكتاب « المدخل إلى الجغرافيا » . وأكثر من هذا يجب أيضا رفض القول الذي نادى به البعض من أن « صورة الأرض » ليست سوى قطعة من الجداول الفلكية للخوارزمي ؛ ذلك أن واقع الأحوال يؤكد أن « صورة الأرض » - - مصنف قائم بذاته وأن علاقته بالجداول الفلكية أشبه بالعلاقة التي بين « المجسطى » و « المدخل إلى الجغرافيا » عند بطلميوس 25 . هذا ويسترعى النظر بصورة خاصة تقسيم الخوارزمي للأقاليم السبعة حسب درجات العرض ، وهو تقسيم يختلف عن كل التقاسيم الأخرى المعروفة لدى العرب ويعتمد أساسا كما أثبت البحث الحديث على حسابات العلماء اليونان . وإذا كان مارينوس الصوري قد اعتبر خطوط ايراتوثينيس Eratothenes هي الحدود الجنوبية لأقاليمه فإن الخوارزمي جعلها الشمالية ، بينما نقل الحد الجنوبي للإقليم الأول الموجود على خط عرض 16 درجة و 27 دقيقة شمالا ( مدينة مروه Meroe ) إلى خط الاستواء واعتبر الحد الجنوبي للمعمور من الأرض هو خط عرض 16 درجة و 25 دقيقة جنوبا ، كما هو الحال عند بطلميوس . ومن المستحيل تخطئة الخوارزمي في هذا فتقسيمه منتظم ونقله الأقاليم صوب الجنوب قد أجراه عن قصد ربما دفعه إليه أن سبعين من المدن الكبرى التي أوردها تقع جنوبي الحد الشمالي للإقليم وفقا لتقسيمه هو . ولعله لا يخلو من مغزى بالنسبة للجغرافيا العربية بأسرها أن الخوارزمي لم يجد من يخلفه أو يسلك سبيله في هذا التقسيم سوى سهراب الذي عاش في النصف الأول من القرن العاشر فهو يعتمد على الخوارزمي اعتمادا كليا . وبالرغم من أن العرب قد كشفوا في القرن التالي للخوارزمي عن وجود نقاط عديدة مأهولة على الساحل الشرقي لأفريقيا وفي الهند وجنوب شرقي آسيا فإن النظرية القائلة باستحالة السكنى في الإقليم الحار قد برهنت على أنها أقوى من الملاحظة العملية المباشرة ، إذ حافظ جميع الفلكيين والجغرافيين المتأخرين دون استثناء على التقسيم القديم للأقاليم 26 . وإذا كان تقسيم المعمورة إلى سبعة أقاليم قد حظى ببعض الأهمية في الجغرافيا القديمة لدى الأوائل فإنه قد أصبح قاعدة أساسية مقبولة من الجميع في